الحوارمصر

احمد الأشعل يكتب: رجل الملفات الثقيلة… قراءة في تاريخ هادي فهمي

في تاريخ قطاع البترول المصري، يظل الحضور الأبرز عادة للمهندسين الذين يقودون عمليات البحث والتنقيب والإنتاج، لكن الحقيقة أن وراء هذه الصناعة العملاقة يقف رجال مال وإدارة، يملكون من الخبرة والدقة ما يجعلهم شركاء حقيقيين في صياغة القرارات الكبرى، وضمان استقرار الشركات العملاقة. ومن بين هؤلاء برز اسم المحاسب هادي فهمي، الذي ارتبط بسنوات طويلة من العمل القيادي داخل الهيئة العامة للبترول والشركات التابعة لها، حتى أصبح واحدًا من الرموز البارزة في تاريخ القطاع.

احمد الأشعل يكتب: رجل الملفات الثقيلة… قراءة في تاريخ هادي فهمي

منذ بداياته، عرف هادي فهمي أن الطريق إلى القيادة ليس مفروشًا بالورود، بل هو رحلة طويلة من الانضباط والتدرج والتعلم. التحق بالقطاع في فترة كانت تشهد توسعًا كبيرًا في الأنشطة البترولية والغازية، وتزايدًا في حجم الاستثمارات الأجنبية المشتركة، الأمر الذي فرض تحديات ضخمة على الكوادر المالية والإدارية. وفي خضم هذه التحديات، كان حضوره مختلفًا؛ إذ تميز بالقدرة على الإمساك بتفاصيل الأرقام من ناحية، وفهم البعد الاستراتيجي للإدارة من ناحية أخرى.

 

تدرج هادي فهمي في العديد من المناصب، حتى أصبح نائبًا لرئيس الهيئة العامة للبترول للشركات المشتركة، وهو ملف شديد الحساسية والتعقيد. ففي هذا الموقع، كان مسؤولًا عن متابعة شراكات مصر مع كبرى الشركات العالمية، وضبط العلاقة المالية والإدارية معها، بما يحفظ حقوق الدولة ويضمن استمرار تدفق الاستثمارات. ولعل هذه المسؤولية كانت كاشفة لقدراته الاستثنائية في التفاوض، وإدارة التوازن بين متطلبات الشركاء الأجانب وحقوق مصر الثابتة.

 

لم يقتصر دوره على هذا الموقع فقط، بل تولى كذلك رئاسة شركات كبرى داخل القطاع، وأدارها برؤية محاسبية دقيقة، جمعت بين التشدد في الحفاظ على المال العام والقدرة على ابتكار حلول إدارية غير تقليدية. ففي كل موقع تقلده، كان معروفًا بأنه الرجل الذي لا يترك ملفًا مفتوحًا دون أن يصل به إلى نهاية واضحة، حتى لو كان الملف متعثرًا أو معقدًا.

 

عرفه العاملون معه كرجل صارم في أرقام الميزانيات والحسابات، لكنه في الوقت ذاته إداري مرن، قادر على استيعاب ظروف السوق وضغوط العمل، والتعامل مع الأزمات بمنطق الشريك لا الخصم. ولذلك اكتسب احترام القيادات العليا وزملائه على السواء، وصار اسمه مقرونًا دومًا بالثقة والانضباط.

 

ولأن تجربته تمتد لعقود، فقد كان حاضرًا في مراحل دقيقة من تاريخ البترول المصري، بداية من توسع نشاط الغاز الطبيعي في الثمانينيات، مرورًا بمرحلة تعزيز الاستثمارات الأجنبية المشتركة في التسعينيات والألفية الجديدة، وصولًا إلى محاولات إعادة الهيكلة والتطوير الإداري التي شهدها القطاع في العقد الأخير. وفي كل هذه المراحل، كان صوته مسموعًا ورأيه محل اعتبار، خاصة في الملفات التي تتعلق بإدارة الموارد المالية والتعاقدات طويلة المدى.

 

إن استدعاء سيرة المحاسب هادي فهمي اليوم هو في جوهره استدعاء لدور الكوادر المالية والإدارية في قطاع البترول، هذا الدور الذي كثيرًا ما يُغفل في ظل التركيز على الجوانب الفنية والهندسية. لقد أثبت الرجل أن الإدارة المالية ليست مجرد أرقام وجداول، بل هي عقل استراتيجي يدير صناعة بأكملها، ويضمن أن تظل قاطرة الاقتصاد متوازنة ومستمرة في حركتها.

 

لقد ترك هادي فهمي إرثًا ممتدًا من الانضباط والدقة، وأثبت أن المحاسب يمكن أن يكون رجل صناعة حقيقي، يحمل على عاتقه ملفات ثقيلة، ويديرها بحكمة وصرامة حتى يصل بها إلى بر الأمان. ومن هنا جاء وصفه المستحق: رجل الملفات الثقيلة، الذي ستظل بصمته حاضرة في ذاكرة البترول المصري كواحد من رجاله الكبار.

احمد الأشعل المستشار الإعلامي لجمعية مهندسي البترول والتعدين والغاز

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى