
لم تعد الصراعات في العالم الحديث تُدار بالسلاح وحده؛ فاليوم أصبحت لوحة المفاتيح أحيانًا أخطر من الدبابة، وأصبح الاختراق الرقمي أداة ضغط لا تقل تأثيرًا عن الجيوش. ومع تصاعد الجدل حول ما يُتداول عن اختطاف أو عزل رئيس فنزويلا قسرًا في ظل أزمة سياسية معقدة، يطرح المشهد سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن يكون الأمن السيبراني لاعبًا خفيًا في مثل هذه الأحداث؟
بعيدًا عن تأكيد أو نفي الروايات المتداولة، فإن المؤكد أن الدول الحديثة أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على أنظمتها الرقمية؛ فالاتصالات، مراكز القيادة، الطيران، البنوك، الإعلام، وحتى أنظمة الحماية الرئاسية جميعها تقوم على بنية معلوماتية قد تكون عرضة للاختراق في أي لحظة.
لم يعد مفهوم “الاختطاف” مقصورًا على السيطرة الجسدية، بل تطور ليشمل اختطاف القرار والمعلومة. تعطيل شبكات الاتصال، اختراق أنظمة المراقبة، التلاعب بالمعلومات الاستخباراتية، أو نشر أخبار مضللة في توقيت حساس، كلها أدوات قادرة على عزل القيادة وإرباك الدولة. وقد تداولت بعض وسائل الإعلام العالمية صورًا لقوات خاصة تحمل حقائب سوداء يُعتقد أنها مخصصة لنقل أجهزة إلكترونية وخوادم من داخل القصر الرئاسي، في مشهد يعكس أهمية السيطرة على البيانات قبل السيطرة على الأشخاص.
في هذه الحالة، قد يصبح القائد معزولًا عن العالم حتى وإن كان محاطًا بالحرس، وهو أخطر أشكال الاختطاف في العصر الحديث.
في هذا السياق، لم يعد الهاكرز مجرد أفراد يعملون بشكل منفرد، بل قد يكونون جنودًا بلا زي رسمي يعملون كأذرع رقمية لدول، أو مجموعات ضغط سياسية، أو أدوات في حروب نفسية وإعلامية.
ما يحدث في فنزويلا، أو ما يُثار حوله، يسلّط الضوء على حقيقة لا يمكن تجاهلها: من لا يملك سيادة رقمية، لا يملك سيادة سياسية كاملة.
العالم دخل مرحلة تُدار فيها الأزمات من خلف الشاشات، وتحسم فيها المعارك عبر الخوادم والشفرات. وفي هذا العصر، قد لا ترى العدو أمامك، لكنك ستشعر بوجوده فور انقطاع الشبكة.



