
تخيل لوهلة أنك تبحث عن إبرة صغيرة، ليس في كومة قش عادية، بل في مساحة تمتد لآلاف الكيلومترات في قلب الصحراء القاحلة، أو في ظلمات قاع المحيط، حيث ترقد تلك الإبرة مدفونة تحت طبقات صخرية تكونت عبر ملايين السنين. تلك كانت باختصار حكاية التنقيب عن النفط والغاز في الماضي؛ مغامرة محفوفة بالمخاطر، تكاليف باهظة، واحتمالات نجاح ضئيلة تعتمد كثيراً على الحظ.
المحاسب محمد فريد : عصر “الذهب الأسود” الرقمي: الذكاء الاصطناعي يقلب الطاولة ويعيد كتابة التاريخ
لكن اليوم تغيرت قواعد اللعبة تماماً؛ لقد خرج “المارد” من القمقم، واسمه الذكاء الاصطناعي (AI)، ليدخل قطاع الطاقة لا كمساعد فحسب، بل كقائد لثورة تقنية شاملة. استعد لتكتشف كيف تحول التنقيب من عملية شاقة إلى “سحر تكنولوجي”.
وداعاً للأساليب التقليدية البطيئة؛ فالذكاء الاصطناعي اليوم يمتلك “عيون صقر” رقمية، إنه لا يقرأ بيانات المسح السيزمي فحسب بل يلتهمها. خوارزميات جبارة قادرة على مسح طبقات الأرض وفك ألغازها المعقدة في زمن قياسي، لتكشف لنا عن الكنوز المدفونة بثقة تامة، إنه يقول للمهندسين بصوت عالٍ وواثق: “احفروا هنا.. الكنز ينتظركم“.
انسوا فكرة الحفر العشوائي؛ فالحفارات اليوم لم تعد مجرد آلات صماء، بل أصبحت روبوتات ذكية. تخيل حفاراً يشق طريقه في باطن الأرض، يتفادى الصخور الصلبة ويناور بذكاء للوصول إلى مكامن النفط بدقة “مليمترية”؛ إنه نظام توجيه لا يعرف الخطأ، يوفر الملايين ويختصر الزمن.
في عالمنا الجديد لا مكان للمفاجآت السيئة أو الأعطال المفاجئة؛ فالذكاء الاصطناعي يمتلك “كرة بلورية” حقيقية اسمها الصيانة التنبؤية. النظام يراقب نبض الآلات لحظة بلحظة ويصرخ محذراً قبل وقوع الكارثة بأيام: “توقف.. هذا الجزء سيتعطل قريباً”. نحن نتحدث عن حماية استثمارات بمليارات الدولارات بفضل تنبيه واحد ذكي.
لماذا نخاطر بحياة البشر بينما نمتلك التكنولوجيا؟ الآن أسراب من “الدرونز” والروبوتات الجريئة هي من تقتحم الأماكن الخطرة، تفحص الأنابيب وتشم رائحة الغاز لتحمي الأرواح وتحافظ على بيئتنا نظيفة وآمنة. التكنولوجيا هنا ليست مجرد أداة، إنها درع حماية.
في الإمارات، حققت شركة “أدنوك” إنجازاً مبهراً بصرياً وتقنياً من خلال مركز قيادة يسمى “Panorama Digital Command Center”؛ وهو عبارة عن شاشة عملاقة بطول 50 متراً تعرض كل نقطة بترول وغاز تُنتج في الإمارات لحظة بلحظة. الذكاء الاصطناعي هنا يقوم بعملية (Optimization)، حيث يوزع الإنتاج والضغط بين الحقول بشكل آلي لتحقيق أعلى ربح وأقصى درجات الأمان في نفس الثانية، وقد وفر هذا المركز للشركة مليارات الدولارات من خلال تحسين الكفاءة.
أما “أرامكو” السعودية -الرائد الإقليمي والعالمي وأكبر شركة بترول- فقد أصبحت شركة “تكنولوجية” بامتياز؛ حيث أنشأت “مركز الثورة الصناعية الرابعة (4IR Center)” الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة (Big Data) لتحليل مليارات البيانات الجيولوجية. هذا النظام يمتلك القدرة على توقع سلوك “مكامن النفط” (Reservoirs) بدقة عالية جداً، ويحدد أفضل مواقع الحفر لزيادة الإنتاج وتقليل المياه المصاحبة للبترول.
نحن لا نتحدث عن رفاهية أو مجرد “تريند” عابر، بل نتحدث عن سباق من أجل البقاء. الذكاء الاصطناعي هو الوقود الجديد لصناعة الطاقة؛ إنه القوة التي جعلت المستحيل ممكناً، والمكلف رخيصاً، والخطر آمناً.
الرسالة واضحة للجميع: من يمتلك الذكاء الاصطناعي اليوم، يمتلك مفاتيح كنوز الغد!



