الحوارالبترول

المهندس محمد عطية يكتب: لماذا تحتاج مصر إلى مخزون استراتيجي من الغاز الطبيعي؟

أصبح ملف أمن الطاقة أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجه مصر في المرحلة الحالية، خاصة مع تزايد الاعتماد على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي لتشغيل محطات الكهرباء والصناعات الثقيلة والأسمدة والبتروكيماويات. وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، بات من الضروري أن تتحرك مصر نحو إنشاء احتياطي استراتيجي لتخزين الغاز الطبيعي يضمن استمرار الإمدادات وقت الطوارئ والحروب والأزمات الإقليمية.

المهندس محمد عطية يكتب : لماذا تحتاج مصر إلى مخزون استراتيجي من الغاز الطبيعي؟

وتزداد أهمية هذا الملف اليوم بعدما تحولت مصر خلال السنوات الأخيرة إلى استيراد كميات متزايدة من الغاز من الخارج، سواء عبر شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الأسواق العالمية، أو عبر غاز خطوط الأنابيب الإقليمية. وهذه المصادر، رغم أهميتها، تبقى عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والتوترات السياسية والعسكرية. فالغاز المسال قد يتأثر باضطرابات سلاسل الإمداد أو ارتفاع الطلب العالمي في أوقات الأزمات، بينما يمكن أن تتعرض خطوط الأنابيب للتوقف أو التعطل نتيجة أي صراع أو توتر في الشرق الأوسط، ما يجعل وجود مخزون استراتيجي محلي ضرورة وطنية لضمان استقرار الكهرباء والصناعة والاقتصاد.

 

وقد كشفت السنوات الأخيرة هشاشة الاعتماد على التدفقات اليومية للغاز دون وجود احتياطي كافٍ. ففي فترات ارتفاع درجات الحرارة أو تعطل بعض الإمدادات الإقليمية، تعرضت قطاعات صناعية لتوقفات مؤقتة نتيجة نقص الغاز، وهو ما انعكس على الإنتاج والصادرات وسوق الكهرباء. ومن هنا تظهر أهمية إنشاء منظومة تخزين استراتيجية تستطيع تعويض أي نقص مفاجئ لأسابيع أو حتى أشهر.

 

وتؤكد الدراسات الدولية أن التخزين الجوفي للغاز يعد من أكثر الحلول كفاءة وأمانًا. فوفقًا لدراسات متخصصة، فإن التخزين تحت الأرض داخل الحقول المستنفدة أو الكهوف الملحية يوفر مرونة عالية في إدارة الطلب الموسمي وحالات الطوارئ، كما يضمن استقرار ضغط الشبكات القومية للغاز. كما أصبحت منشآت التخزين عنصرًا رئيسيًا في منظومة أمن الطاقة العالمي، خصوصًا في الدول المعتمدة على الاستيراد.

 

وفي هذا السياق، أشارت دراسة صادرة عن منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) إلى أن السعة التخزينية العالمية للغاز ارتفعت من 11.1 تريليون قدم مكعبة عام 2000 إلى نحو 15.44 تريليون قدم مكعبة بنهاية 2023، بزيادة بلغت 38%، ما يعكس الأهمية المتزايدة للتخزين الاستراتيجي في مواجهة تقلبات الأسواق والأزمات الدولية. كما أوضحت الدراسة أن التخزين الجوفي أصبح ضرورة استراتيجية وليس مجرد أداة تجارية، لأنه يسمح للدول بالتعامل مع اضطرابات السوق وتأمين الإمدادات لفترات طويلة.

 

ومن الناحية التكنولوجية، تعتمد منظومات التخزين الحديثة على تقنيات متقدمة تشمل النمذجة الجيولوجية ثلاثية الأبعاد، وأنظمة مراقبة الضغط والتدفق اللحظي، والذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك الخزانات وتوقع معدلات السحب والحقن. كما تُستخدم الحقول الغازية المستنفدة باعتبارها الخيار الأقل تكلفة والأكثر أمانًا، بينما توفر الكهوف الملحية معدلات سحب سريعة مناسبة لحالات الطوارئ الفورية.

 

وتبرز تجارب الدول الكبرى بوضوح كيف أصبح التخزين الاستراتيجي للغاز جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي للطاقة. ففي ألمانيا، التي تعد أكبر اقتصاد صناعي في أوروبا، تبلغ سعة التخزين نحو 27% إلى 28% من إجمالي الاستهلاك السنوي للغاز، وهو ما منحها قدرة على تجاوز تداعيات أزمة الغاز الروسية بعد الحرب الأوكرانية. أما إيطاليا فتحتفظ بسعات تخزين تعادل نحو 25% إلى 29% من استهلاكها السنوي، مع تخصيص جزء منها كمخزون استراتيجي للطوارئ.

 

وفي فرنسا تصل سعة التخزين إلى قرابة 30% من الاستهلاك السنوي، بينما تمتلك هولندا سعات تخزين تعادل نحو 35% من استهلاكها السنوي مستفيدة من الحقول القديمة في بحر الشمال. أما الولايات المتحدة، أكبر دولة في العالم من حيث قدرات التخزين، فتمتلك سعات تشغيلية تعادل نحو 15% إلى 17% من استهلاكها السنوي، موزعة على مئات المواقع الجوفية، ما يمنحها قدرة كبيرة على مواجهة الأعاصير وموجات البرد القاسية.

 

وفي آسيا، توسعت الصين بقوة في إنشاء منشآت تخزين جديدة بهدف رفع السعات الاستراتيجية إلى ما بين 10% و15% من الاستهلاك السنوي، بالتزامن مع ارتفاع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال. كما تدرس السعودية تطوير تخزين موسمي للغاز باستخدام الحقول المستنفدة لدعم الطلب الصيفي المرتفع على الكهرباء.

 

هذه التجارب العالمية تؤكد أن التخزين الاستراتيجي للغاز لم يعد رفاهية، بل تحول إلى ضرورة أمنية واقتصادية لحماية الدول من تقلبات أسواق الطاقة والصراعات الدولية. وتمتلك مصر بالفعل مقومات قوية لإنشاء هذا الاحتياطي، سواء عبر الحقول المستنفدة في البحر المتوسط أو بعض التكوينات الجيولوجية المناسبة في الصحراء الغربية، إلى جانب امتلاكها بنية تحتية متطورة من الشبكات ومحطات الإسالة.

 

إن إنشاء احتياطي استراتيجي للغاز الطبيعي أصبح ضرورة ملحة لحماية الاقتصاد المصري من صدمات الطاقة، وضمان استقرار الكهرباء والصناعة، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية بثقة واستقلالية أكبر، خاصة في عالم أصبحت فيه الطاقة سلاحًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الأمن العسكري أو الغذائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى