
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر والحاجة المستمرة إلى ترشيد استخدام النقد الأجنبي، تبرز مشروعات التكرير الكبرى كأحد أهم الأدوات الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الخارج وتعظيم القيمة المضافة للثروات البترولية المحلية. ومن بين هذه المشروعات يأتي مجمع التفحيم وإنتاج السولار بشركة السويس لتصنيع البترول، ومجمع التكسير الهيدروجيني للمازوت بشركة أسيوط الوطنية لتصنيع البترول (أنوبك)، باعتبارهما مشروعين يستهدفان معالجة واحدة من أكبر الفجوات الهيكلية في سوق المنتجات البترولية المصرية، وهي فجوة السولار.
وتكمن أهمية المشروعين في أنهما لا يضيفان فقط طاقات تكريرية جديدة، بل يغيران طبيعة الاستفادة من المازوت منخفض القيمة الاقتصادية من خلال تحويله إلى منتجات بترولية عالية القيمة وفق المواصفات الأوروبية، وفي مقدمتها السولار. ويعد ذلك أحد أهم مسارات رفع كفاءة قطاع التكرير وتعظيم العائد الاقتصادي من كل برميل بترول تتم معالجته داخل مصر.
ورغم الأهمية الاستراتيجية للمشروعين، فإنهما لم يدخلا الخدمة حتى الآن. فقد بلغت نسبة الإنجاز في مشروع مجمع التفحيم بالسويس نحو 60% وفق آخر البيانات المعلنة، بينما يستهدف مشروع أنوبك بدء التشغيل التجريبي بنهاية عام 2026 أو منتصف عام 2027، وهو ما يمثل تأخراً ملحوظاً مقارنة بالتوقعات الأولية التي كانت تشير إلى التشغيل خلال الفترة بين عامي 2022 و2023.
وينعكس هذا التأخير بصورة مباشرة على فاتورة استيراد المنتجات البترولية، خاصة أن السولار يمثل أكبر فجوة استيرادية في السوق المصرية. ويبلغ الاستهلاك المحلي من السولار نحو 12 مليون طن سنوياً، في حين يتم استيراد ما بين 25% و30% من الاحتياجات المحلية. وبذلك تظل مصر مضطرة إلى توفير كميات كبيرة من العملة الأجنبية لتغطية هذه الفجوة، رغم توافر مشروعات قادرة على تقليص جانب مهم منها عند دخولها الخدمة.
وقد شهدت فاتورة استيراد المواد البترولية والغاز المسال ارتفاعاً ملحوظاً خلال عام 2025، حيث تجاوزت قيمة الواردات 5.83 مليار دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى فقط من العام، بينما اقتربت فاتورة استيراد المواد البترولية من مليار دولار شهرياً. وفي ظل هذه الأرقام، يصبح لكل شهر تأخير تكلفة اقتصادية حقيقية تتمثل في استمرار استيراد منتجات كان من الممكن إنتاج جزء معتبر منها محلياً.
وتشير التقديرات إلى أن اكتمال المشروعين وتشغيلهما بكامل طاقتهما يمكن أن يحقق إحلالاً استيرادياً تتراوح قيمته بين 0.9 و1.7 مليار دولار سنوياً. ويعني ذلك أن الاقتصاد المصري كان بإمكانه توفير ما يقارب مليار إلى ملياري دولار سنوياً من النقد الأجنبي، وهي موارد كان يمكن توجيهها إلى أولويات تنموية أخرى أو المساهمة في تخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات.
ولا يقتصر أثر التأخير على فاتورة الاستيراد فقط، بل يمتد إلى الموازنة العامة للدولة. فاستمرار الاعتماد على الواردات يعني استمرار تحمل تكلفة الدعم المرتبطة بالفارق بين الأسعار العالمية وأسعار البيع المحلية، وهو ما يضيف أعباءً إضافية على المالية العامة في وقت تسعى فيه الدولة إلى تحسين كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الاستدامة المالية.
كما يؤدي التأخير إلى فقدان جزء من القيمة المضافة التي كان يمكن تحقيقها من خلال تحويل المازوت إلى منتجات عالية القيمة الاقتصادية. فبدلاً من الاستفادة من هذا الخام في إنتاج السولار والمنتجات الخفيفة، يستمر استخدامه في تطبيقات أقل عائداً اقتصادياً، بما يقلل من الكفاءة الكلية لسلسلة القيمة البترولية.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار الاعتماد على الواردات يبقي الاقتصاد المصري أكثر تعرضاً لتقلبات الأسواق العالمية ومخاطر سلاسل الإمداد الدولية. فأسعار النفط والمنتجات البترولية تخضع لتغيرات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، كما أن اضطرابات الشحن العالمية، بما في ذلك التوترات التي شهدتها منطقة البحر الأحمر خلال الفترة الماضية، تؤكد أهمية تعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي وتقليل الانكشاف على الأسواق الخارجية.
وفي الوقت نفسه، تزداد تكلفة التأخير مع مرور الوقت نتيجة ارتفاع أعباء التمويل والفوائد المرتبطة بالقروض المخصصة للمشروعات، فضلاً عن احتمالات زيادة تكاليف المعدات والأعمال الإنشائية، ما قد يرفع التكلفة النهائية للمشروعات ويؤخر تحقيق العائد الاستثماري المستهدف منها.
وبالرغم من أن ارتفاع فاتورة الواردات البترولية لا يرتبط حصرياً بتأخر هذين المشروعين، نظراً لتأثير عوامل أخرى مثل واردات الغاز المسال وتقلبات أسعار الطاقة العالمية، فإن المشروعين يظلان من أهم الأدوات المباشرة لمعالجة فجوة السولار تحديداً، وهي الفجوة الأكبر في هيكل استهلاك المنتجات البترولية في مصر.
لذلك فإن تسريع استكمال وتشغيل مجمع التفحيم بالسويس ومجمع التكسير الهيدروجيني بأسيوط لا يمثل مجرد إنجاز صناعي أو استثماري، بل يعد ضرورة اقتصادية واستراتيجية تتعلق بأمن الطاقة، واستقرار فاتورة الواردات، والحفاظ على النقد الأجنبي، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التقلبات الخارجية. فكل شهر يتم توفيره من الجدول الزمني للتشغيل يعني تقليصاً للواردات، وتخفيفاً للضغوط على العملة الأجنبية، وتعزيزاً للقيمة المضافة المحلية، وهو ما يجعل من الإسراع في إنجاز هذه المشروعات أولوية اقتصادية لا تقل أهمية عن كونها أولوية لقطاع البترول نفسه.



