
كلما تحدثنا عن ترشيد الطاقة، نجد أن أغلب النصائح موجهة للمواطن: أطفئ الأنوار، قلل استهلاك الكهرباء، واستخدم الوقود بحكمة. ورغم أهمية ذلك، أرى أن البداية الحقيقية يجب أن تكون من مكان آخر، وهو المؤسسات والهيئات الكبرى؛ فالناس تقتنع بما تراه أكثر مما تسمعه. عندما تطبق المؤسسات سياسات واضحة لترشيد الطاقة، فإنها تقدم نموذجًا عمليًا ينتقل تلقائيًا إلى المجتمع.
ومن النماذج الوطنية التي تستحق الإشادة، ما قامت به شركة بترول خليج السويس (جابكو) من تركيب ألواح شمسية على سطح المبنى الرئيسي بالمعادي، حيث يعتمد المبنى على جزء من احتياجاته الكهربائية من الطاقة الشمسية النظيفة والمتجددة. مثل هذه المبادرات لا توفر الطاقة فحسب، بل تقدم نموذجًا عمليًا يمكن أن تحتذي به مؤسسات وشركات أخرى.
ترشيد الطاقة لا يبدأ عند تشغيل المبنى، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، منذ مرحلة التصميم الهندسي. فالمبنى الحديث لم يعد مجرد منشأة تؤدي وظيفة محددة، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة الطاقة؛ ولهذا تعتمد كثير من الدول على تصميمات تستفيد من الإضاءة الطبيعية والتهوية الجيدة، وتراعي اتجاهات الشمس والرياح، بما يقلل الاعتماد على الإضاءة الصناعية وأنظمة التكييف.
ومع ما تشهده مصر من توسع في المدن الجديدة، والمناطق الصناعية، والمشروعات القومية، فإن الفرصة أصبحت أكبر من أي وقت مضى لتكون المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى هي المحرك الرئيسي لنشر ثقافة ترشيد الطاقة والاستدامة. فالاستدامة ليست مسؤولية المواطن وحده، وليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تبدأ عندما تلتزم المؤسسات بما تدعو إليه، فيتحول السلوك الرشيد تدريجيًا إلى ممارسة يومية، ثم إلى ثقافة عامة راسخة.
وفي النهاية، أرى أن أفضل حملة توعية يمكن أن تقدمها أي مؤسسة ليست ملصقًا على جدار أو شعارًا في مؤتمر، وإنما قرار عملي يراه العاملون والزائرون كل يوم؛ فالأفعال هي التي تصنع الثقة، والثقة هي التي تصنع ثقافة ترشيد الطاقة القادرة على الاستمرار وتحقيق أثر حقيقي للأجيال القادمة.



