
بينما تترقب أسواق العالم تداعيات الحــــ رب واحتمالات إغلاق مضيق هرمز، تواصل مصر بناء أمنها الطاقي بخطوات ثابتة عبر مشروع الضبعة النووي.
وفي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الخليج، وتعود المخاوف من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، كانت مصر تواصل العمل في مشروع من نوع مختلف تمامًا.
فبينما تتصدر أخبار الصواريـــ خ والعقوبات نشرات الأخبار، أعلنت شركة “أتوم ستروي إكسبورت” الانتهاء من تركيب وعاء الضغط بالمفاعل الثاني لمحطة الضبعة النووية، وهي خطوة لا يلتفت إليها كثيرون، رغم أنها من أهم المراحل في بناء أي محطة نووية.
قد يبدو الخبر للبعض مجرد تفصيل هندسي، لكنه في الحقيقة يحمل دلالات تتجاوز حدود المشروع نفسه؛ فالمنطقة كلها تعيش على وقع القلق من مستقبل الطاقة، وأي تصعيد عسكري يعني احتمال اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط والغاز، ثم ارتفاع تكلفة الكهرباء والصناعة والنقل في معظم دول العالم.
هذه ليست توقعات، بل سيناريو تكرر أكثر من مرة خلال العقود الماضية؛ ولهذا، فإن الدول التي فكرت مبكرًا في تنويع مصادر الطاقة أصبحت اليوم أقل تأثرًا بالأزمات من غيرها. ومصر اختارت هذا الطريق منذ سنوات عندما بدأت تنفيذ مشروع الضبعة، ليس باعتباره مشروعًا لإنتاج الكهرباء فقط، وإنما باعتباره استثمارًا طويل الأجل في أمن الطاقة.
وتركيب وعاء الضغط للمفاعل الثاني يعني أن المشروع ينتقل إلى مرحلة أكثر تقدمًا؛ لأن هذا الوعاء يمثل القلب الذي سيحتوي الوقود النووي داخل المفاعل، وتركيبه لا يتم إلا بعد الانتهاء من سلسلة طويلة من الاختبارات والإجراءات الهندسية الدقيقة.
اللافت أن هذا الإنجاز يأتي في توقيت تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل أسواق الطاقة العالمية؛ فالحرب لا ترفع أسعار النفط فقط، لكنها تؤخر الاستثمارات، وتربك الأسواق، وتجعل الدول المستوردة للطاقة أكثر عرضة للضغوط الاقتصادية. أما امتلاك مصدر مستقر للكهرباء، لا يرتبط بأسعار برميل النفط ولا بخطوط الملاحة، فهو في حد ذاته عنصر من عناصر الأمن القومي.
من هنا، لا يمكن النظر إلى الضبعة باعتبارها مجرد محطة نووية، بل باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع تستهدف تنويع مصادر الطاقة، إلى جانب الغاز الطبيعي، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح.
قد تنتهي الحــــ رب غدًا، وقد تستمر أشهرًا، لكن المؤكد أن الدول لا تبني مستقبلها على توقع موعد انتهاء الأزمات، وإنما تبنيه على مشروعات قادرة على الصمود مهما تغيرت الظروف؛ ولهذا، فإن خبر تركيب وعاء الضغط بالمفاعل الثاني ليس مجرد خبر هندسي عابر، بل تذكير بأن هناك دولًا تنشغل بإدارة الأزمات، ودولًا أخرى تنشغل ببناء ما بعدها.. ومصر، في الضبعة، تبدو وكأنها اختارت الطريق الثاني.



