
مخطئ من يظن أن الباعث الحقيقي لهروب الكفاءات فقط هو البحث عن زيادة مالية، وبالكاد فهذا منطقي خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، ولكن من الممكن أن تُفاجئ أن هذا الهروب هو فقط من ضمن العوامل وليس أهمها، وذلك يرجع إلى الطبيعة الإنسانية، والتي من أهم ما يميزها هو اختلافها في التوجه وكذا في ترتيب أولوياتها.
الدكتور إبراهيم الجزار يكتب: مرض هروب الكفاءات من المؤسسات ورؤية علاجية
فأولويات البعض تختلف عن البعض الآخر نُرتبها بالتفاوت في ثقافتنا ورؤيتنا وعلى ما نشأنا عليه وتربينا.
فهناك من تكون أولى أولوياته وأهمها الزيادة المالية، وهناك من ينتظر التقدير المعنوي، ينتظر فقط كلمة، والتي من الممكن أن تُمثل بالنسبة له العالم بأسره. ومن الغريب أن البعض قد يبخلون بتلك الكلمة، والتجاهل هما السبيل الوحيد للإدارة السليمة! مُعللين بأنه لا يليق، وأن من ضمن سمات المدير أو المسؤول ألا يقوم بتقدير مرؤوسيه، وأن الغلظة فكم من كفاءات غادرت لعدم النظر إلى مجهودها نظرة تقدير، وكم من عناصر أثرت البقاء بمؤسساتها بالرغم من ظروفها المالية الصعبة، فقط لإحساسهم بالمعاملة الحسنة من القائمين عليهم، ومعايشتهم لظروفهم ومبادلتهم الود. كم من كفاءات غادرت من خيبة أمل تسللت لنفوسهم، وكذا النظر بعدل لتوفير العدالة التنظيمية بتلك المؤسسات وتكافؤ الفرص بها.
ودعونا نضع بعض التعريفات السلسة لما سبق، فالهروب ببساطة يتمثل في نقص العوامل الجاذبة والمبقية للكوادر البشرية بالمؤسسات، والكفاءات هم العناصر المميزة، والذين يتحلون بمجموعة من السمات والخصائص التي تميزهم عن البعض الآخر، نتاج خبرة عمل وممارسة فنية طويلة جعلتهم من الصعب تعويضهم، وليس من السهل التفريط بهم أو الاستغناء عنهم، وأما العلاج فهو الوقوف على العوامل والمسببات التي نتج عنها تفشي المرض وانتشاره، والذي كنينا به الهروب.
إذاً يتضح أنه، وبعد التعرف على المرض والمفترض، وجب على المتخصصين من القائمين على مؤسسات مختلفة أن يقوموا بتشخيصه، ومن ثم العمل على وضع خطة علاجية له، إذ يتطلب الأمر رؤية علاجية متكاملة تتناول الأسباب الجذرية لهروبهم أو رحيلهم وتقديم حلول استراتيجية وبمعنى أدق مستدامة، فأحياناً لا تُجدي المسكنات نفعاً، وتتكون من أربعة محاور رئيسية:
أولًا: المحور التنظيمي والإداري
تشجيع وجود بيئة عمل تتسم بالعدالة والتحفيز.
تفعيل سياسات تقييم أداء تتسم بالشفافية والمنبثقة من العدالة في التوزيع القائم على التعرف أولًا على ملكات ومهارات العاملين.
وضوح الهيكل التنظيمي وكذا مساراته الوظيفية والعمل على إلمام كافة العاملين به.
إسناد الأعمال للمرؤوسين بفعالية تنبثق من إلمام من يكلفهم أولًا بطبيعة تلك المهام وكذا إدراكه لقوى ملكاتهم ومهاراتهم.
تمكين العاملين والإكثار من فرص تفويض الصلاحيات المتمثلة في إعطاء الكفاءات مساحة لصنع القرار وإظهار الثقة في قدراتهم.
ثانيًا: المحور المالي
تحقيق العدالة في الرواتب والمزايا: إجراء مراجعة دورية للأجور لضمان التنافسية مع السوق.
ربط المكافآت بالإنجازات والنتائج، وتقدير الجهود المتميزة.
تقديم حوافز غير مالية: مثل برامج التقدير المعنوي، الرحلات، شهادات التقدير، وغيرها.
ثالثًا: المحور المهني والتنموي
توفير فرص للنمو المهني: إنشاء خطط تطوير وظيفي واضحة وتدريبات مستمرة.
رعاية المواهب الداخلية: اكتشاف الإمكانيات وتمكينها من خلال برامج رعاية المواهب والقيادات المستقبلية.
دعم الابتكار والإبداع: تشجيع المبادرات والأفكار الجديدة مع وجود آليات للتنفيذ.
رابعًا: المحور الثقافي والإنساني
تعزيز ثقافة الانتماء: خلق بيئة يشعر فيها الموظفون بالولاء والانتماء للمؤسسة.
الاهتمام بالصحة النفسية والرفاهية: برامج دعم نفسي، مرونة في ساعات العمل، وتوازن بين الحياة والعمل.
الاستماع الفعال ومشاركة القرار: إشراك الكفاءات في وضع السياسات والقرارات المصيرية التي تخص بيئة عملهم.
آلية تنفيذ الرؤية:
تشكيل لجنة موارد بشرية متخصصة لدراسة وضع الكفاءات وتطبيق المبادرات.
إجراء استبيانات دورية لقياس الرضا الوظيفي.
تتبع مؤشرات بقاء أو مغادرة الكفاءات لتقييم نجاح الإجراءات.
كما أن على المسؤولين في كافة المؤسسات المصرية عدم غض الطرف عن أن هناك بعض الكفاءات يأتي هروبها أو عزوفها عن الاستمرار في تلك المؤسسات لأسباب أبداً لا تتعلق بالجوانب المادية، ولكن فقط هي كلمة.. كلمة يحتاجونها والتي تنم عن التقدير لمجهوداتهم وتميزهم.



