
خلف ضجيج التصريحات السياسية، تدور رحى حرب صامتة لكنها حارقة تقنياً واقتصادياً؛ فاليوم لم يعد الهدف هو احتلال الأرض، بل شلّ التدفقات: تدفق البيانات، وتدفق النفط. وفي هذه المواجهة، يعتبر قطاع الطاقة هو الهدف الأسمى.
تسعى واشنطن وتل أبيب لتطوير برمجيات خبيثة تستهدف أنظمة التحكم الصناعي (SCADA) في المنشآت النفطية الإيرانية لتعطيل الإنتاج. وفي المقابل، طورت طهران مجموعات سيبرانية مثل “APT33” المتخصصة في استهداف شركات الطاقة العالمية، بهدف إحداث قفزات جنونية في أسعار النفط لضغط الرأي العام العالمي ضد واشنطن.
مع دخول الذكاء الاصطناعي (AI) كلاعب أساسي في إدارة الصراع، تستخدم الولايات المتحدة نماذج تعلم آلي (ML) للتنبؤ بتحركات الناقلات الإيرانية التي تحاول الالتفاف على العقوبات، وتحليل صور الأقمار الصناعية لحظياً لرصد أي نشاط غير معتاد في الموانئ. في حين تستخدم إسرائيل أنظمة دفاع سيبراني “ذاتية التعلم” قادرة على صد هجمات “DDoS” الإيرانية التي تستهدف مؤسسات مالية وطاقية ومعالجتها في أجزاء من الثانية.
تدرك إيران أن قوتها تكمن في مضيق هرمز، فاقامت بغلقه، لكن التهديد الآن أصبح “رقمياً”؛ فهناك تقنيات أمريكية قادرة على تمييز هوية السفن آلياً وتفعيل أو تعطيل التهديدات بناءً على تحليل البيانات. كما رصدت تقارير استخدام تقنيات “Spoofing” (تزييف الموقع) المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتضليل الناقلات، مما قد يتسبب في كوارث بيئية أو اصطدامات تُغلق ممرات الملاحة.
نحن ننتقل من عصر “حروب الاستنزاف” إلى عصر “حروب التعطيل الكامل”. القوة هنا ليست لمن يملك صواريخ أكثر، بل لمن يمتلك:
سرعة الخوارزمية في كشف الثغرات.
مرونة الشبكة في البقاء قيد التشغيل تحت الهجوم.
تأمين سلاسل التوريد النفطية من الاختراق البرمجي.
النفط هو “الوقود”، لكن الذكاء الاصطناعي هو “المحرك”، والسيبراني هو “الميدان”. أي خلل في هذا التوازن قد يشعل أزمة طاقة عالمية بضغطة زر (Enter) واحدة.



