
تعلمنا من أساتذة القانون العام وفقهاء الإدارة العامه والسلوك المؤسسي أن الإدارة لها أصول واجبة الاتباع وأخري يجوز الخروج عنها، وبين هذا وذاك يجب الموائمة؛ فليس من المرونة الوقوف عند حرفية الأصول الحاكمة لعمل الإدارة، كما أنه غيرمطلوب غلق الباب أمام ذوي الرآي الموضوعي وأصحاب الاقتراحات التطورية.
كما تعلمنا أن النظام الإداري ذات شكل هرمي له قاعدة ووسط وقمة؛ حيث يمثـــل قمة الهرم الرئيس الإداري الأعلي أو المسئول الأول عن المؤسسة أو فريق العمل، ويقـــع فى وسط التسلسل الهرمي ما يُعرف بــــ (قيادات الصف الثاني) وأخيراً يأتي دور القاعدة الأساسية الممثلة فى العاملين بشتي تخصصاتهم ومهامهم الوظيفية.
إن الرئيس الإداري الأعلي أو قائد الفريق هو المسئول الأول عن حُســن سير العمل وانضباطه واتساق مساراته وتقليل معدلات الإشكاليات الإدارية والعمالية، وذلك من خلال إصدار التعليمات ومتابعة تنفيذها تنفيذاً صحيحاً.
ورغم مما سبق فهــو غير مُكلف النزول للقاعدة العريضة من العمال وبحث شكواهم بطريقة فردية أو آحادية، فهذا ليس من مهامه الوظيفية، وإن كان هناك وجة نظر أخري تري أن التواصل مع العاملين والوقوف علي تطلعاتهم أمر بديهي يقتضيه حسن سير العمل وتماسك النسيج المؤسسي.
فالأمر – ومن وجهة نظري البحثية – يجب أن يتسم بالتوازن أو الموائمة بين هذا وذاك، فليس إلزامياً على الرئيس الإداري التفاعل المباشر مع العاملين على طول الخط، وفى ذات الوقت يجب ألا يُغلق عيناه عن المتابعة العامة لمسارات العمل وسلوك العاملين تجاه بعضهم البعض وتجاه مؤسستهم أو جهة عملهم، بل يتعين عليه المتابعة – سواء مباشرة أو غير مباشرة – لكافة متغيرات المجتمع العمالي الذي يترأسه، فإن ذلك من باب المراقبة والتتبع لمعرفة مواطن الضعف التي يمكن أن تُشكل أزمات إدارية أو انتاجية أو عمالية مستقبلاً.
والسؤال هنا : كيف يمكن لنا تحقيق المعادلة السابقة
معادلة المتابعة الإدارية المستدامة من قبل قمة الهرم الإداري وكيفية ضمان التواصل المنضبط بين الرئيس ومرؤوسيه بما يضمن توازن في العلاقة بينهمـا.
وفقا لأصول الإدارة العامه والسلوك المؤسسي وما استقرت عليه أحكام مجلس الدولة المصري فإن العلاقة بين الرئيس ومرؤوسيه علاقة (تبادلية) تقوم علي الفعل ورد الفعل في إطار من الضوابط اللائحية، فالرئيس الإداري يصدر التعليمات وفقا للصالح العام وبما يضمن حسن سير العمل، والمرؤوسين ملزمين بالتنفيذ بدقة وبذل عناية كافية وتحقيق المستهدفات الانتاجية.
وبين إصدار التعليمات وتنفيذها تظهر إشكالية مدي توافق – تلك التعليمات – مع مقتضيات الواقع وكيفية اتصال علم الرئيس برد فعل العاملين ورؤيتهم التنفيذية ومدي تقبلهم لبعض التوجيهات أو القرارات الإدارية من عدمه، وبالطبـــع مثل هذه الاشكاليات لن يكون لها أهمية إلا فى مؤسسة صمــاء لا تسعي للتطوير.
إن المستقر نظرياً ولائحياً أن الرئيس ومرؤوسيه وحدة واحدة تتواصل فيما بينها أفقياً ورأسيا وكأننا أمام جهاز عصبي بشري كل عنصر فيه يؤدي وظيفة مُحددة فى إطار تكاملي مع غيره من باقي الأجزاء أو المكونات، وهكذا هي المؤسسة والرئيس والعاملين رئاسته، فالكل يُشكلون وحدة واحدة أو نسيج متجانس يتكامل ويتفاعل بإتزان بغيـــة تحقيق الانتاجية المستهدفة، أليس كذلك؟ نعم هو كذلك نظرياً وقانوناً ولائحيا، ولكن هل الممارسات العملية تسير بذات المنطق أم لا؟.
ومن وجهة نظر – قد نتفق معها أو نختلف – فإن صلاحية سير العمل وانضباط التواصل واستقرار أركان المؤسسة أو الشركة يتوقف علي مدي إيجابية وتفهم (قيادات الصف الثاني) الذين يتوسطون المسافة بين الرئيس والعاملين.
فأما هم يُشكلـــون عامل إيجابي في التواصل بين الرئيس ومرؤوسيه؛ حيث يُمثلون بذاتهم ضمانه فعالة لوصول رد فعل العاملين ورؤيتهم وآراءهم بدقة وموضوعية، وأما يكونوا غير ذلك.
وفي الحالة الأخيرة – حالة كونهم عنصر غير إيجابي – تظهر إشكالية جديدة ألا وهي وجود (فجوة أو فراغ) بين قمه الهرم الإداري وبين العاملين مما يسبب تصدع وتباعد وإهتراء بالنسيج العمالي، ويُصبـــح الرئيس فى معزل عن حقيقة الواقع بما قد يُرتب أثار إدارية وإنتاجية سلبية قد تُهدد بقاؤه علي قمة الهرم الإداري.
ولذلك فإن فقه السلوك المؤسسي يركز علي دراسة التفاعل بين الرئيس ومرؤوسيه وكيفية ضمان انسيابية التواصل بينهما بما يخدم تماسك النسيج العمالي بكل مكوناته الرئيسية وغير الرئيسية.
إن التجـــارب العملية أثبتت أن توجهــات الدولة المصرية الحديثة وما أرتسمته من مسارات تطويرية ترفض أن تتسم المؤسسات والشركات ووحدات الانتاج بالصم أو الفراغ أو التصدع الإداري والعمالي.
بل أن مقتضيات نفاذ وثيقة سياسة ملكية الدولة تقتضي أن تتسم مؤسساتنا بالايجابية الإدارية والتفاعل المنضبط بين الرئيس والمرؤوسين وأن يلعب قيادات الصف الثاني دوراُ فعالاً فى إنسيابية تبادل المعلومات والآراء بين قيادة المؤسسة أو الشركة والعاملين بها، وذلك من خلال آليات تواصل مُقننه تُحقق الشفافية والاعتدال.
ومن باب التعاضد والتكامل بين السياسات الإدارية والأحكام القضائية فإننا نستدل علي منطقية السطور السابقة ما أستقر عن محكمتنــا الإدارية العليا التي تعتبر وبحق نبراثاً منيراً يكشف لنا المسارات الإلزامية علي طريق الإدارة المتزنه؛ حيث قررت أن : –
“القيادة الإدارية الرشيدة ترتكز على إرســاء مبادئ العدالة والشفافية وتبادل الآراء وسيادة القانون داخل المؤسسات، ومنع التعسف والتفرقة بين العاملين وصون حقوقهم، وأن علاقات العمل يجب أن تقوم أسس موضوعية متجردة عن النوازع الشخصية، كما يجب أن يسود علاقة المرؤوسين مع رؤسائهم الاحترام المتبادل مع الطاعة فى تنفيذ توجيهات وارشادات الرئيس الاداري لتحقيق الأهداف المنشودة”.
(المحكمة الإدارية العليا – طعن رقم 9665 لسنة 59 قضائية عليا – جلسة 13/6/2020)
وفي هذا الصــدد يقول أ.د/ أحمد زايـد أستاذ علم الاجتمــاع السياسي بجامعة القاهرة:-
“إن القيادة الرشيدة هي التى تحدد الأهداف، وتضع الاستراتيجيات العامة، وتراقب تنفيذ القانون، وهذه القيادة يجب أن تتصف بصفات مهمة لكى تحقق الإدارة مهامها بنجاح، من ذلك أن تكون عادلة، وقادرة على إنتاج الإدارة اللازمة لتسيير الأمور، وعلى احتواء كل أعضاء التنظيم، لا انحياز فيه ولا غلو فى استخدام السلطة إلا بحكم القانون. وعلى القيادة أن تخلق مناخاً ملائماً للعمل، يقوم على التشاركية، والتحفيز، والتنافس الخلاق، ونبذ الفرقة والتباعد؛ والعمل على تسهيل تدفق المعلومات رأسياً وأفقياً”.
صفوة القول
فإننا تماشياً مع الرؤية التطويرية للدولة المصرية الحديثة وما تستهدفة القيادة السياسة، فإنه لزاماًعلينا أن نعمل علي ضمان استدامة تماسك النسيج العمالي وترابط أواصر المؤسسات والشركات واستقرار أركانها وزيادة إنتاجها، وذلك من خلال إتبــاع (لغة الاستماع المتبادل) والدراسة المتعمقة لعوارض واشكاليات العمل والعاملين ومقترحاتهم التطويرية مع ضمان وصولها الي قمة الهرم الإداري دون (فلترة غير موضوعية).

