
لم يكن خبر وفاة البطل خالد محمد شوقي مجرد عنوان في نشرة الأخبار، بل صدمة هزّت قلوبنا جميعاً، وبالأخص قلوب العاملون بقطاع البترول. ذلك الرجل الذي واجه الموت في مشهد لا يُنسى، وهو يحاول إنقاذ الأرواح، غير آبه بنفسه التي كانت تشتعل، حتى صعدت إلى ربّها راضية مرضية، تاركاً خلفه بيتاً وأبناء وزوجةً وحياة.
عبدالفتاح موسى يكتب: بعد الحداد
لقد كانت تضحيته أعظم من أن تُوصف، وكأن القدر اختاره ليكون السد المنيع بين حيّ كامل ومأساة محققة، لا يعرف حجمها إلا من رأى النيران تلتهم الشاحنة، وسمع صوت اللهيب يحاصر المكان.
ورغم الحزن الكبير الذي خيّم على يوم من أيام عيد الأضحى، ورغم الدموع التي ذرفها كثيرون، يبقى السؤال المؤلم: من بقي حزنه حياً في داخله أكثر من دقائق؟ من ألغى موعد عشاء لأنه كان مفجوعاً؟ من توقفت حياته؟ الحقيقة أن أقصى ما فعله أغلبنا كان قراءة الفاتحة، ثم استمرت الحياة.
ولا نلوم أحداً على ذلك، فهذه هي طبيعة الدنيا، لا تقف على أحد، والموت حق، والقلوب تنسى بمرور الوقت.
لكننا لا ننسى أن هناك من خسر كل شيء: زوجة ترمّلت، وأطفال تيتموا، وأحلام توقفت عند لحظة اشتعال.
ولا أحد ينكر أن التعويضات مهما كانت، لا تعيد المفقود ولا تملأ الفراغ، وإن كانت تُمنح بناء على قوانين وضوابط لا تخلو من العدالة، فهي تظل عاجزة عن تقدير القيمة الحقيقية لحياة إنسان.
لكن خالد، رحمه الله، قد رحل… ولم يعد هناك ما يمكن تقديمه له سوى الدعاء، والرحمة، والوفاء.
كل ما نريده الآن هو ما بعد الحداد.
نريد الحقيقة، نريد التحقيق.
- ما الذي أدى إلى اشتعال الشاحنة بهذه الطريقة المخيفة؟
- ما طبيعة الحمولة؟ وأين كانت إجراءات السلامة؟
- هل هناك كاميرات أو أدوات توثيق داخل هذه الشاحنات؟
- وهل من المفترض أن تُدار هذه المركبات الخطيرة من دون آليات حماية مشابهة لما نراه في الطائرات، كالصندوق الأسود مثلاً؟
رحم الله خالد، وأسكنه جنات الخلد،
لكن إن اكتفينا بالبكاء، فلن نكون أوفياء.
وإن مررنا على الحادث مرور الكرام، فسنخون دمه.
فالبطولة لا تُخلَّد فقط بالنصب التذكارية أو كلمات التأبين،
بل تُخلَّد حين تتحوّل إلى يقظة… إلى نظام… إلى أمان.
خالد قدّم حياته ليحيا غيره،
فهل نقدّم نحن وعينا لنحمي من بعده؟
لنُحسن الختام… بأن نجعل آخر ما فعله خالد، بداية لما يجب أن نفعله نحن.
لئلا يأتي يوم، نقف فيه أمام مأساة جديدة،
ونسأل السؤال ذاته:
لماذا لم نتعلّم من الحداد؟



