
لطالما رسمت مخيلتي صوراً لنيويورك، تلك المدينة التي نراها عبر شاشات السينما كمسرح للأحداث السياسية والاقتصادية الكبرى. لكن الواقع حين زرتها قبل سنوات، تجاوز حدود الشاشة، لتبدأ الرحلة بمفاجأة “فوق السحاب” وتنتهي في قلب المكان الذي تُصاغ فيه قرارات العالم: مقر منظمة الأمم المتحدة.
لم تكن رحلتي عادية، فمنذ النداء الأول لصعود الطائرة، بدأت فصول أجمل اللقاءات. على مقربة من مقعدي، كان يجلس عالم الكيمياء المصري القدير الدكتور مصطفى السيد، أول مصري وعربي يحصل على قلادة العلوم الوطنية الأمريكية.

تحدثت معه قليلاً، فوجدت فيه تواضعاً إنسانياً ورقياً حضارياً يعكس عظمة عالمٍ يداوي السرطان بـ “مركبات الذهب”. استغرقت الرحلة 12 ساعة من الطيران المتواصل، لم تخلُ من مشاعر الفخر بوجود قامة مصرية دولية بجواري، وعند الوصول بادرته بالسلام والابتسامة، تاركاً إياه لإنهاء إجراءات وصوله، لتبدأ رحلتي الخاصة في مانهاتن.
بين ناطحات السحاب المكتظة، وألوان “تايمز سكوير” المبهرة، كان لتمثال الحرية وقع خاص. تذكرتُ الروايات التاريخية التي تشير إلى أن وجهته الأصلية كانت مصر؛ حين عرض النحات الفرنسي “فريدريك بارتولدي” على الخديوي إسماعيل فكرة تمثال لفلاحة مصرية تحمل مشعلاً لتوضع عند مدخل قناة السويس، لكن التكاليف حالت دون ذلك، ليهدى المشروع لاحقاً للولايات المتحدة.

في اليوم التالي، توجهت إلى ضفاف النهر الشرقي، حيث مقر الأمم المتحدة. الإجراءات الأمنية هناك تشبه المطارات الدولية تماماً. وبمجرد دخولي، غمرني شعور بالفخر وأنا أرى صورة الدكتور بطرس غالي، الأمين العام السادس للمنظمة، تتصدر لوحة الأمناء السابقين. وقفت هناك طويلاً لألتقط صورة تذكارية مع تاريخ رجل قاد المنظمة في أصعب أزماتها العالمية.
برفقة مرشد مخصص، وبرسوم مقررة، دخلنا القاعة الرئيسية حيث تجتمع الوفود. التعليمات كانت صارمة: الدخول صفاُ واحداً، التزام الصمت، ومنع التصوير تماماً. من أعلى القاعة، شاهدت الشعار الأزرق الشهير، والمنصة الرخامية الخضراء التي اعتلاها قادة تاريخيون غيروا مجرى الأحداث. في تلك اللحظة، استرجعت مشاهد الحروب والسلام والقرارات المصيرية التي شاهدتها يوماً خلف الشاشات، وها هي الآن أمامي على بعد خطوات.
انتهت جولتي بختم جواز سفري بشعار المنظمة، كذكرى لمنطقة “دولية” لا تخضع تماماً للقوانين المحلية. هذا الصرح الذي بدأ بناؤه عام 1947 وافتتح عام 1951، صممه فريق من 11 مهندساً معمارياً، ويضم ست لغات رسمية من بينها لغتنا العربية.
لقد كانت رحلة داخل “صانعة القرارات”، اكتشفت فيها أن السياسة ليست مجرد أوراق، بل هي تاريخ محفور في الجدران، ووجوه مصرية مشرفة تركت بصمتها في كل مكان، من معامل الكيمياء وصولاً إلى سدة المنظمة الدولية.



