
لقد وضعت الدولة المصرية خطط تطوير وإصلاح هيكلي متقدمة تهدف إلى إعادة تنظيم ملكيتها بما يُحقق أعلى معدلات الاستفادة الاقتصادية والنقدية؛ حيث تم وضــع (وثيقة سياسية ملكية الدولة) التي جاءت لترسيم مسارات جديدة تتناسب مع مقتضيات الواقع العملي، وخاصة في ظل تنامي الدور الاقتصادي للقطاع الخاص وظهوره كشريك مالي أو إداري في كثير من الوحدات الإنتاجية العامة، بل بات منافساً للقطــاع العام فى العملية الانتاجيــــة وذلك فى ضوء التوجه نحو حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
لقد بلورت الدولة رؤيتها الاقتصادية الحديثة في وثيقة تقدمية عُرفت بـــ “وثيقة سياسة ملكية الدولة” التي حملت عدد من الضوابط الحاكمة التي من شأنها تحقيق التوزان بين التواجد الحكومي داخل عدد من أروقة الوحدات الإنتــاجية وبين إتاحــة الفرصة الكافية للقطاع الخاص للمساهمة فى تدوير عجلة الحياة الاقتصادية، وهو الأمر الذي يتضح من مطالعة تلك الوثيقة وما تبعها من تشريعات ذات صفة اقتصادية تعكس دور وظيفي حديث للدولة تجاه مرافقها ووحداتها الإنتاجية.
وفى ضوء ما سبق تسطـــع التساؤلات الآتية: –
- هل يُمكن صناعة إصلاح اقتصادي دون أن يرافقه برنامج إصلاح إداري؟
-وماهي الآلية اللازمة لتحقيق إصلاح إداري بالتوازي مع وثيقة سياسة ملكية الدولة؟
فيما يتعلق بالتساؤل الأول: –
-هل يُمكن صناعة إصلاح اقتصادي دون أن يرافقه برنامج إصلاح إداري؟
فإن الإجابة تكون بالنفي، فلا يُمكن صنــاعة إصلاح اقتصادي شامل دون أن يرافقه برنامج إصلاح إداري، فالمتابع للسياسات الإدارية والهيكلية للوحدات الانتاجية يتضح جلياً أنها مازالت تُعاني بعضــاً من العوارض التشغيلية التي تنــال من كفاءتها والتي تؤثر سلباً بالتبعية على مستويات الإنتاج وتحــد من فعالية برامج الإصلاح الاقتصادي.
ولئن كانت القيــادة السياسية تسعي جاهدة لصناعة بيئة اقتصادية فعالة تُحقق غايات الدولة وتحررها من قيــود كلاسيكية تُكبل مساعيها التنموية، فإن الأمر يستدعي النظر في السياسة الإدارية المتبعة بالواحدت الاقتصادية ووضع خطة عمــل عامة من شأنها تقليل الفجوة بين المساعي التطويرية الاقتصادية وبين تلك السياسات الإدارية التي فقدت غاياتها الأولي المتمثلة في خدمة الاهداف الإنتاجية.
واتساقاً مع الحقيقة السابقة يأتي دور التساؤل الثاني: –
-ماهي الآلية اللازمة لتحقيق إصلاح إداري بالتوازي مع وثيقة سياسة ملكية الدولة؟
نري أنه على غرار وثيقة سياسة ملكية الدولة يُمكن لنــا وضع ما يُعــرف بـــ (وثيقة السياسة الإدارية الموحدة) والتي تتضمن (قواعد عامة موحدة توضح كيفية بناء الهيكل التنظيمي للوحدات الانتاجية وطرق تشغيليها وتحديد العلاقة بين مكوناتها الهيكلية والبشرية، ومدي قدرتها الاستيعابية ونطاقية سلطاتها التنفيذية ).
كما يُمكن لنــا تعريفها بأنها (عدد من القواعد التنظيمية العامة التي تعمل كإطار حاكم للوحدات الانتاجية من حيث حجمـــها وتشكيليها وهيكلتها وكيفيات تشغيليها في إطـار مستهدفاتها الإنتاجية).
على أن تتسم تلك القواعد الإصلاحية بالخصائص الآتية: –
العمومية: حيث يُمكن سريانها بشكل عام على كافة الوحدات الانتاجية التابعة للدولة.
الموضوعية: حيث تأتي لوضـــع تنظيم موضوعي يُعالج المسائل المتعلقة بالقدرة التشغيلية للوحدات الانتاجية ومعالجة السياسات الهيكلية والمالية والتشريعية غير الواقعية والعمل علي رفع قدرتها على تحقيق المستهدفات الإنتاجية.
التكاملية: حيث تتكامل تلك القواعد الاصلاحية فيما بينها لتعمل كوحدة واحدة بعيداً عن السياسات الانفرادية التي لا تُحقق إصلاحات هيكلية أو اقتصادية.
وحقيقة الأمر أنه من خلال نظرة تشريحية متعمقة لعموم الوحدات الانتاجية التابعة للدولة يتضح جلياً أنها مُحاط بعدد من السياسات الثابتـة الموروثة من حقبات سابقة والتي باتت في حاجة إلى إعادة النظر لضمان تُحقيق كامل المستهدفات الإنتاجية وتعزيز تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة وبرامجها الاقتصادية التقدمية.
وهو الأمر الذي يقتضي منا وضـــع سياسة إدارية عامة واقعية تؤدئ لمخرجات هيكلية مرنة تُحقق كفاءة إنتاجية وتخلق كيانات اقتصادية قادرة ذاتياً على تنفيذ خطط التطوير العامة والخاصة، أو تؤهلها للدخول ضمن حيز تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة.
وحقيقة الأمر أن الركيزة الأولي لبناء سياسات هيكلية مرنة هي وضع (سياسة تشريعية تقدمية) تتناسب مع الواقع العملي ومتغيراته الاقتصادية وبما يُسهم فى صنــاعة تشريعات وسياسات إدارية تتوافق مع المرئيات الاقتصادية للدولة.
إن الاصلاح الاقتصادي يتعين أن يُرافقه تطوير إداري وهيكلي يرتكز علي المستهدفات الانتاجية ويبــعد عن الموروثات الإدارية التي أثقلت كاهل الوحدات الانتاجية والتي باتت غير متوافقة مع المسارات التطويرية الحالية.
ولعل بالمقالة القادمة نقدم رؤية خاصة حول الدور الوظيفي للهياكل التنظيمي فى ضوء مستهدفاته الانتاجية وكيفية توجية ذلك الدور لتعزيز تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة.



