
من المعلوم أن مفهوم الهجرة لدى عامة الناس في الوقت الحالي هو الانتقال من الموطن الأصلي إلى بلد آخر، إما لكسب العيش أو البحث عن ميزة لا يتمتع بها موطنك، أو… إلخ، أي أنها محاولة لإضافة ميزة فردية لدى الشخص.
ولكن حين هاجر النبي محمد ﷺ من مكة إلى المدينة انصياعًا لأمر الله عز وجل، ما كانت إلا للبدء في تحمّل المسؤولية والمشقة الخاصة بالحفاظ على الرسالة السماوية التي أنارت الدنيا بأسرها، وإرساء دعائمها في يثرب – المدينة المنورة.
وهل كان ليثرب ذِكرٌ كذِكرها بعد أن وطئت قدماه الشريفتان أرضها؟ وهل كان هواؤها وماؤها وترابها نديًا وعطرًا إلا بقدومه ﷺ؟ لقد ازدانت الدنيا كلها بميلاده الشريف، فما بالك بيثرب المدينة؟
واجه النبي ﷺ وأصحابه ألوانًا من الأذى في مكة على يد قريش، التي رأت في دعوته تهديدًا لمكانتها الدينية والاجتماعية. ومع تزايد الأذى، وازدياد عدد المسلمين، وسعيهم لنشر الإسلام، أصبحت مكة بيئة طاردة لا يمكن فيها ممارسة الدين بحرية. ومن هنا جاءت الهجرة كحل إلهي، ووسيلة لإنقاذ الدعوة وبناء كيان مستقل للمسلمين.
غادر النبي ﷺ مكة ولم تغادر فؤاده، ترك الأهل والأحبة، حتى وإن قسوا عليه، فهم أهله، فظلت هي لجنابه الشريف مهما حدث (مكة) وطنه الأول، وموضع البيت الحرام الذي أقام قواعده جدّه الخليل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
استُقبل النبي ﷺ في المدينة بحفاوة عظيمة من الأنصار الذين بايعوه وآزروه، فبدأ بوضع أولى لبنات المسجد – المسجد النبوي، وعمل على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ووضع وثيقة المدينة التي نظّمت العلاقة بين المسلمين واليهود وسائر سكان المدينة، لتصبح المدينة أول دولة إسلامية في التاريخ.
نتائج الهجرة
1- جاءت الرسالة حقًا ناشرة للقيم والتعاليم السّمحة، جاء دين لا يفرّق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، جاءت الرسالة التي أخرجت الناس من ظلام الجهل والظلم والعبودية إلى النور المتمثل في الإيمان بالله الواحد الأحد، والعبودية له فقط جلّ شأنه.
2- كما مهّدت الهجرة لقيام أول كيان للدين الإسلامي بقيادة النبي ﷺ، والذي من خلاله تم نشر الإسلام، حيث أصبحت المدينة منطلقًا للفتوحات والدعوة إلى الإسلام في كل أرجاء الجزيرة العربية، كما حدث تحوّل في مفهوم القوة من الضعف والاستضعاف إلى التمكين والعزة.
وأخيرًا، إن هجرة النبي محمد ﷺ لم تكن مجرد حدث عابر مرّ على التاريخ، بل كانت رسالة خالدة عن الصبر والتوكل على الله. إنها مثال يُحتذى به في كيفية التعامل مع الشدائد وتحويل المحن إلى منح، فكانت الهجرة بداية عصر جديد للإسلام والمسلمين.



