
ما يحدث الآن مع منصة “Sora” يتجاوز كونه مجرد تطور تقني؛ إنه أمرٌ يثير الرهبة حقاً. فيديوهات تقترب من الواقع بنسبة تجعلك تشك في عينيك قبل أن تشك في المحتوى المعروض أمامك. الفكرة المرعبة هنا لا تتوقف عند احتمالية استخدامها من قبل “مرضى” لتشويه السمعة أو صناعة أكاذيب مقنعة، بل في ذلك الإحساس الخفي بأن هذه التكنولوجيا قد تكون موجودة بالفعل منذ سنوات طويلة داخل “الغرف المظلمة”، ونحن آخر من يعلم.
لو رجعنا بذاكرتنا قليلاً، سنكتشف أن تاريخ التكنولوجيا يتبع سيناريو متكرراً ومللاً: ابتكارات تبدأ كأسرار عسكرية أو استخباراتية حصرية، وبعد عقود من الاستخدام السري، تهبط إلينا في شكل خدمة “لطيفة” ومجانية داخل هواتفنا الذكية.
نظام الـ (GPS) الذي نعتمد عليه اليوم في كل تفاصيل حياتنا، كان في الأصل مشروعاً عسكرياً لوزارة الدفاع الأمريكية منذ السبعينيات، ولم يُتح للمدنيين إلا بعد حادثة طائرة شهيرة، بل إن الدقة الكاملة للخرائط لم تُفتح للعالم إلا مع مطلع الألفينات. الإنترنت نفسه بدأ كمشروع (ARPANET) التابع للجيش الأمريكي في الستينيات، وبعد عقود أصبح الشبكة التي تربط مصائرنا. ذات الحكاية تكررت مع الأقمار الصناعية التي بدأت كـ “عيون تجسس” في السماء، ومع الطائرات بدون طيار (Drones) التي تحولت من أدوات اغتيال إلى ألعاب لتصوير حفلات الزفاف!
حتى تقنيات التعرف على الوجه والذكاء الاصطناعي، عاشت سنوات طويلة داخل المعامل العسكرية والبحثية قبل أن تظهر فجأة وكأنها “نبتت من تحت الأرض”. وهنا يبرز السؤال الوجودي: ما الذي تمتلكه القوى العظمى الآن ولا يُسمح لنا بمعرفته إلا بعد ثلاثين عاماً؟ وما حجم الحقائق التي قُدمت لنا في الإعلام على أنها “الحقيقة المطلقة” بينما كانت مجرد زاوية ضيقة من صورة أوسع؟
هذا الإحساس يجعل الحديث عن “Sora” وأخواتها جرس إنذار، وليس مجرد “تريند” عابر. ما نراه اليوم هو النسخة “الآمنة تجارياً” التي سُمح لنا برؤيتها، بينما تظل التكنولوجيا الحقيقية—ربما تلك التي تقرأ الأفكار عن بُعد أو تتحكم في الوعي الجمعي—طِيّ الكتمان.
الخوف الحقيقي ليس في تقدم التكنولوجيا، بل في تأخر وعينا. الخوف من أن نصدق كل ما هو “Viral” ونستهين بخطر الفيديوهات “فائقة الواقعية” التي تزيف الأصوات والوجوه بدقة مخيفة. قد لا نعرف يقيناً ما الذي تم بيعه لنا كحقيقة خلال العقود الماضية، لكن ما نملكه الآن هو سلاح واحد وبسيط: أن نشك، أن نسأل، وألا نُسلم عقولنا لأي شاشة أو خوارزمية؛ فأخطر تكنولوجيا في العالم ليست تلك المخبأة في المعامل، بل هي التي تقف أمامك الآن وتقنعك بأن كل ما تراه.. حقيقي!



